تاريخ فرشاة الأسنان وما علاقتها بالخنزير – I
فرشاة صغيرة غيّرت مصير البشر
تفريش الأسنان عادة نقوم بها كل يوم دون تفكير، فقد أصبحت فعلًا مبرمجًا في عقولنا الباطنة. لكن، هل توقفت يومًا لتتساءل: كيف كان الناس قبل ألف عام يعتنون بأسنانهم؟ بماذا كانوا يفرشونها؟ وما المواد التي استخدموها؟ وكيف تعاملوا مع الروائح الكريهة وتسوّس الأسنان؟
تخيّل أن التسوّس في الماضي لم يكن مجرد ألم مزعج، بل سببًا للموت أحيانًا! إذ لم تكن هناك فرشاة أسنان، فكان التسوّس يتمدد حتى يصل إلى العظم، ومنه إلى باقي الجسد، لتنتشر العدوى وتنتهي حياة الإنسان بسبب ما نظنه اليوم أمرًا بسيطًا.
في هذا المقال سنكتشف معًا كيف تطورت فرشاة الأسنان عبر التاريخ، وكيف تحولت من أداة بدائية إلى وسيلة قادرة على إنقاذ حياة الإنسان.
تاريخ فرش الأسنان :
قبل أن تظهر فرشاة الأسنان الحديثة التي نعرفها اليوم، استخدم الإنسان عبر العصور أدوات ووسائل متعددة لتنظيف فمه والحفاظ على أسنانه.
سنستعرض في هذا المقال الأدوات التي استخدمت قبل اختراع فرشاة الأسنان الحالية، وكيف تطورت تلك الوسائل من أغصان الأشجار والأعشاب إلى الفرشاة الكهربائية الذكية التي ترافقنا اليوم.
١- الاصبع : مصر القديمة (حوالي 3000 قبل الميلاد) :
استخدموا أصابعهم لفرك مسحوق أسنان مصنوع من مكونات مثل البوميس (وهو صخر بركاني خفيف وقاسي يستخدم في الصنفرة بسبب خصائصه الكاشطة)، قشر البيض المجروش، الرماد، والمرّ على أسنانهم.
هذه واحدة من أقدم الحالات المعروفة لروتين العناية بالفم، إلى جانب اختراع “المسواك” .
٢- المسواك : 3500 – 3000 قبل الميلاد :
ترجح المعلومات التاريخية أن البابليون استخدموا المسواك لتنظيف أسنانهم منذ ما يقارب 7000 عام، وبعد ظهور الإسلام انتشر استخدام المسواك انتشارًا واسعًا، ولا زال العديد من الأشخاص حتى الآن يستخدمونه.
قال رسول الله ﷺ:” السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب “ .
وأيضًا : “ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء” .
عود الأراك أو ما يعرف أيضًا باسم السواك أو المسواك عبارة عن عصا من شجرة الأراك، له رائحة خاصة دائمة وطعم حارق لوجود مادة مرتبطة بالخردل، تنمو هذه الشجرة في الأماكن الحارة والاستوائية، وتوجد في طور سيناء ولكن بشكل أقل في جمهورية مصر العربية، والسودان والهند وإيران وباكستان. يحتوي السواك على مادة (حمض التانيك) ، وهذه المادة لها تأثير مضاد للتفسخ، كما يعتبر مطهرًا ، وله استخدامات معروفة ضد النزيف، بالإضافة إلى أنه يستخدم في تنظيف اللثة والأسنان ويشفي جروحها الصغيرة ويمنع النزيف منها.
ويفيد عود الاراك فيما يلي :
أفضل علاج وقائي لتسوس أسنان الأطفال والكبار لاحتوائه على مادة الفلورايد.
يزيل الصبغات والبقع لاحتوائه على الكلور.
تبييض الأسنان لاحتوائها على مادة السيليكا.
يحمي الأسنان من البكتيريا المسببة للتسوس لاحتوائه على الكبريت والقلويات.
يفيد في التئام الجروح وتشققات اللثة ونموها الصحي لاحتوائه على ثلاثي ميثيل أمين وفيتامين سي.
أفضل علاج للإقلاع عن التدخين.
يهدئ الفم.
شد اللثة.
يقطع البلغم.
يساعد في هضم الطعام.
يسهل مخارج الكلام.
التخلص من الرائحة الكريهة التي قد تأتي من الفم نتيجة الالتهابات أو وجود البكتيريا وغيرها.
التخلص من احتقان البلغم في الصدر والآثار الجانبية المصاحبة له.
تسريع عملية التئام الجروح أو التهابات اللثة، وذلك لوجود مادة ثلاثي ميثيل، بالإضافة إلى مجموعة الفيتامينات المتعددة أهمها فيتامين سي.
٣- اختراع سلالة تانغ 宋 : عامي 619 - 907 ميلادي :
ليس من المفاجئ أن الغالبية العظمى من فرش الأسنان المباعة اليوم يتم تصنيعها في الصين. ما قد يفاجئ البعض هو أن أول فرشاة أسنان تم اختراعها وتصنيعها في الصين خلال سلالة تانغ (619-907). كانت مصنوعة من شعر الخنزير البري الذي كان يُستَخرج من شمال الصين، لأن الشعر هناك كان أكثر كثافة وصلابة في المناخ البارد. أما الجزء الخاص بالمقبض فكان مصنوعًا من العظم أو الخيزران أو الخشب. في القرن السابع عشر، وصلت فرش الأسنان الصينية إلى أوروبا حيث بدأوا في استخدامها، لكن الأوروبيين وجدوا أن شعر الخنزير البري كان قاسيًا للغاية وفضلوا شعر ذيل الحصان بدلاً منه.
٤- دوغن كيغان (Dōgen Kigen) : عام 1223م
وثق معلم الزن الياباني دوغن كيغان في القرن الثالث عشر استخدام فرش الأسنان ذات الشعيرات في الصين. في سفره إلى الصين عام 1223، لاحظ أن الرهبان الصينيين كانوا يستخدمون فرشاة أسنان مصنوعة من شعيرات ذيل الحصان مربوطة بمقبض من عظم الثور. تعتبر هذه الفرشاة من أقدم الأدلة على استخدام فرشاة الأسنان بالشعيرات في التاريخ، والتي أصبحت في ما بعد جزءًا من العادات اليومية في العديد من الثقافات حول العالم.
٥- فرشاة أسنان نابليون، 1810 ميلادي:
تم إنشاء هذه الفرشاة خصيصًا للإمبراطور نابليون بونابرت (1769–1821) من فرنسا. تتميز الفرشاة بمقبض مغطى بالفضة والمذهب، ومزخرف بشعاره الشخصي “N”، بينما كانت الشعيرات مصنوعة من شعر الحصان، مما كان قد يكون قاسيًا للغاية على اللثة.
والآن مع أغرب قصة على الإطلاق: السجين الذي اخترع فرشاة الأسنان!
٦- ويليام آديس : 1780
وهذه هي قصة ويليام آديس، الذي سُجن بسبب الشغب في لندن في السبعينات من القرن الثامن عشر. وعندما كان في السجن، استخدم مزيجًا من الملح والسخام وبعض الخرق لتنظيف أسنانه، لكنه وجد أن هذه الطريقة غير فعالة للغاية. وفي إحدى الليالي، قرر أن يحتفظ ببعض العظام من وجبته – عظمة من الأبقار، ثم حفر فيها ثقوبًا وطلب من حارس السجن أن يحصل على بعض الشعيرات. ربط الشعيرات في الثقوب التي حفرها في العظمة، ثم لصقها واستخدمها كفرشاة أسنان. وهكذا ظهرت فرشاة الأسنان الحديثة.
بعد خروجه من السجن، أسس شركة “ويزدم” لفرش الأسنان، التي ما زالت تنتج أكثر من 70 مليون فرشاة أسنان حتى اليوم. إنها قصة من سجين إلى مخترع.
بحلول عام 1840، كانت فرش الأسنان تُصنع بكميات كبيرة في إنجلترا وفرنسا وألمانيا واليابان. كانت فرش الأسنان الأرخص تُصنع من شعيرات الخنزير، بينما كانت فرش الأسنان الأكثر تكلفة تُصنع من شعر الغرير.
والآن قد تتساءل: ما حكم شعر الخنزير إذن؟ وهل يمكنني استخدامه في فرشاة الأسنان؟ مع العلم أن هناك من لا يزالون يستخدمون فرشاة أسنان مصنوعة من شعيرات الخنزير، في محاولة للحفاظ على البيئة، لأن الفرشاة في الواقع مصنوعة من النايلون أو البلاستيك الحيوي، وهي مواد غير قابلة للتحلل البيولوجي أو التحول إلى سماد! ومع ذلك، يجب علينا كمسلمين أن نكون على وعيٍ وحذر، وأن نتحرّى الحكم الشرعي قبل استخدام أي منتج يحتوي على مكونات نجسة أو محرّمة . ٧- أول فرشاة أسنان مسجلة براءة اختراع 1857:
حصل “إتش. إن. وادزورث” على أول براءة اختراع لفرشاة أسنان في الولايات المتحدة عام 1857، ولكن لم تصبح فرشاة الأسنان عادة روتينية في الولايات المتحدة إلا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أصبح من الضروري على الجنود تنظيف أسنانهم يوميًا.
٨- بروفيلاتيكتك عام 1866 :
أسست شركة “فلورنسا للتصنيع” في عام 1866 وبدأت أعمالها في إنتاج فرش الشعر والمرايا اليدوية المصنوعة من مركب فلورنسا. في عام 1885، قدمت الشركة فرشاة الأسنان “بروفيلاتيكتك”، التي كانت مستوحاة من تصميم وضعه طبيب الأسنان نيويوركي “ماير إل. راين”. بحلول عام 1915، أصبحت هذه الفرشاة المنتج الأكثر مبيعًا في الشركة. وفي عام 1924، تغير اسم الشركة إلى “شركة برو-في-لاكتك فرشاة”.
لقد كانت إعلانات “دكتور ويست” تستخدم أسلوبًا مبتكرًا في التسويق، إذ تم تسليط الضوء على أهمية تنظيف الأسنان بشكل يومي لمكافحة الجراثيم، مما ساعد في جعل فرشاة الأسنان جزءًا من الروتين اليومي للعديد من الناس. هذه الفرشاة كانت واحدة من أولى الفرش التي تم التسويق لها بهذه الطريقة العلمية التي تعتمد على “الوقاية” (Prophylaxis) واعتبرت ثورة في عالم العناية بالفم.
٩- فرش الأسنان من السليلوز 1900s:
في أوائل القرن العشرين، أصبح السليلوز مادة شائعة لصناعة مقابض فرش الأسنان. كان السليلوز، وهو نوع من البلاستيك المبكر، يُختار لصلابته وطبيعته الخفيفة وقدرته على التشكيل إلى أشكال وألوان مختلفة. وقد شكّل هذا تحولًا من المقابض التقليدية المصنوعة من العظم أو الخشب أو العاج.
١٠- DuPont de Nemours دوبونت 1938 :
كانت أول فرشاة أسنان بشعيرات النايلون من دوبونت هي “دكتور ويست’s ميراكول-تافت”، التي تم إصدارها في 24 فبراير 1938. كانت شركة دوبونت قد اخترعت النايلون في عام 1935، وكان أول استخدام تجاري له في شعيرات فرش الأسنان هذه، التي استبدلت شعيرات الحيوانات التقليدية وأصبحت أول فرشاة أسنان بشعيرات صناعية.
١١- 1954: أول فرشاة أسنان كهربائية
في عام 1954، تم اختراع أول فرشاة أسنان كهربائية، وهي “بروكسودنت”، في سويسرا. كانت هذه الفرشاة خطوة ثورية في مجال العناية بالأسنان، حيث قدمت طريقة أكثر كفاءة لتنظيف الأسنان مقارنة بالفرش التقليدية. ومع الحركة الميكانيكية التي توفرها، ساعدت الفرشاة الكهربائية في تحسين تجربة التنظيف وزيادة فعاليته، مما جعلها خيارًا شائعًا بين الأشخاص الذين يسعون للحصول على أفضل العناية بأسنانهم.
١٢- فرش الأسنان الحديثة (1990s):
بدأ تطوير فرش الأسنان الحديثة التي نراها في الأسواق اليوم. كانت هذه الفترة محورية في تحويل فرش الأسنان التقليدية إلى فرش مبتكرة باستخدام تقنيات حديثة مثل الفرشاة الصوتية التي تعتمد على الاهتزازات السريعة لتنظيف الأسنان بفعالية أكبر. ومع التقدم التكنولوجي الذي حدث، ظهرت فرش الأسنان الكهربائية المحسنة التي تتميز بحركات متعددة لتحسين فعالية التنظيف، ما جعلها أكثر كفاءة في إزالة البلاك وتفتيح الأسنان. هذا التقدم جعل فرش الأسنان الحديثة خيارًا شائعًا بين الأشخاص الذين يسعون للحصول على تجربة تنظيف أفضل وأكثر دقة.
والآن، بعد أن تعرفنا معًا على تاريخ فرشاة الأسنان وكيف تطوّرت عبر العصور، من الأغصان البسيطة إلى الفرشاة الذكية، لن يكون تفريش أسنانك بعد اليوم مجرد فعلٍ عابر تؤديه دون تفكير. بل ستتذكر في كل مرة عظمة الله في تسخير العلم والتكنولوجيا لخدمة الإنسان، وكيف أن أداة صغيرة كهذه أصبحت وسيلة لحفظ الصحة والحياة.
شاركوني آراءكم وأي مرحلة من مراحل تطوّر فرشاة الأسنان أثارت إعجابكم أو دهشتكم أكثر؟
إذا أعجبك هذا الموضوع، تحقق من هذا المقال أيضًا :
إذا راقك هذا النوع من المحتوى، فلا تنسَ الاشتراك ودعمي لأستمر في تقديم المزيد.
المصادر :
Carranza’s Clinical Periodontology Textbook.
The History of the Toothbrush – How Our Ancestors Brushed Their Teeth


























interesting
مقال ثري بمعلومات مثيرة للاهتمام! شكرًا على جهودكِ الرائعة