ضَربة على الرَأْس - تَارِيخ التَخدِير III
كيف بدأ كل شيء؟

ربما من أفضل النعم التي أنعم الله بها علينا مع تقدم العلم والتطور هي القدرة على تسكين الألم. فنحن الآن، عندما نشعر بأي ألم، نجد أمامنا الكثير من الطرق لتخفيفه، من أدوية وحبوب مسكنة. حتى الألم الشديد مثل ألم الضرس المبرح، نجد له مسكنًا. تخيل لو كنت تعيش في العهد القديم، حيث كان عليك التعايش مع الألم طوال حياتك دون أي مسكن! بل إنك لو أردت أن تجري عملية جراحية، لم يكن هناك مخدر، وبالتالي كان الألم مضاعفًا. أن تقطع رجلك أو تخلع سنك بدون مخدر! حتى أن الأطباء في تلك الفترات كانوا يعتبرون الألم الشديد أثناء العملية مؤشرًا جيدًا على صحة المريض، وكانوا يعتقدون أن صراخ المريض جزء من عملية التعافي، لأنه إذا دخل في حالة إغماء أو فقدان للوعي، قد لا يستفيق مجددًا، لذا كانوا يفضلون سماع صراخه على فقدانه للوعي !
لكن كيف كانوا يتحملون الألم؟ وما هي المواد التي كانت بحوزتهم لتخفيفه ولو قليلًا؟ ومن هو الذي اخترع التخدير وكيف كانت أول عملية جراحية تُجرى؟ في هذا المقال، سنتعرف على الطرق المدهشة التي ابتكرها البشر عبر التاريخ للتعامل مع الألم، وكيف كانت تلك الأساليب بديلة لما نستخدمه اليوم. هل كان لديهم مخدرات طبيعية، أم هل اعتمدوا على الأعشاب والتقنيات القديمة؟ وكيف كانت تلك العلاجات تصمد أمام الآلام الجسدية الشديدة؟ كل هذه الأسئلة سنجيب عليها، وستدهشك الإجابات التي ستأخذك في رحلة عبر الزمن لتكتشف كيف كان الناس يتعاملون مع أوجاعهم قبل أن تُكتشف طرق التخدير الحديثة. ولكن قبل أن نجيب على هذا السؤال، دعونا أولًا نتعرف على ما هو التخدير وأنواعه، حيث توجد أنواع عديدة سنتعرف عليها سريعًا، ثم نعود لنستعرض ما استخدمه الناس في العصور القديمة لتخفيف الألم...
ما هو التخدير؟
التخدير هو الطريقة التي تُستخدم فيها مواد تعرف بالتخديرات لتقليل أو حظر الألم أثناء الجراحة والإجراءات الطبية الأخرى. تُستخدم تركيبات مختلفة من الأدوية والغازات لتحقيق مستويات مختلفة من فقدان الإحساس، بدءًا من تخدير جزء من الجسم وصولاً إلى جعل الشخص فاقدًا للوعي تمامًا.
أنواع التخدير
التسكين (Sedation): يتراوح التسكين من الشعور بالاسترخاء الشديد إلى الشعور بالنعاس، ولكن دون فقدان الوعي. يُستخدم عادة في الإجراءات الجراحية البسيطة أو لتهدئة المرضى الذين يعانون من انزعاج أو توتر. كما يُستخدم في وحدات العناية المركزة.
التخدير العام (General Anaesthesia): هو حالة مُراقَبة من فقدان الوعي التام، يُستخدم في العمليات الكبرى والإجراءات الجراحية التي تحتاج إلى بقاء المريض ثابتًا لفترة طويلة.
التخدير الموضعي (Local Anaesthetics): هي أدوية تُستخدم لتخدير أجزاء معينة من الجسم. يتم حقنها مباشرة حول موقع العملية في الإجراءات الجراحية الصغيرة.
التخدير الإقليمي (Regional Anaesthesia): يُستخدم في العمليات الكبرى، حيث يبقى المريض واعيًا. في هذه الحالة، تُحقن التخديرات الموضعية بالقرب من الأعصاب الكبيرة أو الحبل الشوكي. الحقن في المنطقة القطنية (إيبيدورال) أثناء الولادة هو مثال آخر على التخدير الإقليمي.
مسكنات الألم (Analgesia): هي تخفيف للألم بدلاً من كونها شكلًا من التخدير، لكن كثيرًا ما تتضمن المسكنات نفس الأدوية وتُستخدم معًا. أضعف المسكنات تُباع في الصيدليات كمسكنات للألم، وأقوى المسكنات مثل المورفين تُستخدم للألم الشديد.
الطرق القديمة للتخدير:
قد يراود ذهنك الآن بعض الأسئلة: كيف كانوا يسكنون الألم في العصور القديمة؟ بالطبع لم يكن لديهم بنادول أو مسكنات حديثة! فماذا كان لديهم إذًا؟ ما هي المواد أو الطرق التي كانوا يستخدمونها لتخفيف هذا الألم المبرح؟
كان هناك أسلوب تقليدي يعتمد على ربط المريض لتقييد حركته أثناء العمليات الجراحية، مثل ربطه إلى طاولة العمليات، خاصة عندما تكون مدة العملية قصيرة مثل علاج الكسور أو فتح خراج كبير.
لكن هذه الطريقة كانت تحمل مخاطر كبيرة؛ فقد يعاني المريض أثناء الجراحة من ألم شديد.
كما كان يتم وضع الجزء المصاب (مثل الذراع، على سبيل المثال) في درجات حرارة منخفضة، مما يؤدي إلى فقدان الإحساس تدريجيًا في ذلك الجزء بسبب التبريد الشديد، مما يسهل إجراء العملية الجراحية بشكل أكثر أمانًا.
كما كانت هناك طريقة أخرى تتضمن إيقاف تدفق الدم إلى العضو المصاب باستخدام حزام ضاغط، مثل وضع رباط ضاغط على الفخذ لمنع تدفق الدم. ولكن هذه الطريقة كانت تؤدي إلى فقدان جزئي للإحساس بسبب نقص تدفق الأعصاب الحسية إلى الجزء المصاب، وهذا قد يؤدي إلى تأثيرات لاحقة بعد العملية الجراحية.
كان الإنسان قديمًا يعتمد على طرق بدائية للتخدير، بعضها كانت خطيرة جدًا. من هذه الطرق، كان يتم ضرب المريض بمطرقة على رأسه، فيفقد الوعي لفترة طويلة. ولكن إذا كانت الضربة شديدة، فقد يستيقظ المريض أثناء العملية الجراحية، مما يشكل خطرًا كبيرًا.
وإحدى الطرق الغريبة لتوفير وسيلة للمرض للخروج من الجسم كانت من خلال إجراء ثقب يتراوح قطره بين 2.5 إلى 5 سم في جمجمة المريض وهي ممارسة تُعرف بالتثقيب أو التريفيين - trepanation ، تم العثور على جماجم مثقوبة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ في بريطانيا وفرنسا وأجزاء أخرى من أوروبا وفي بيرو، ويُظهر العديد منها علامات على الشفاء، مما يشير إلى أن المريض قد نجا من العملية.
.ولأن السحر والشعوذة كانا يلعبان دورًا كبيرًا في الطب آنذاك، فقد كان يُعتقد أن هذه الثقوب ليست فقط وسيلة لعلاج إصابات الرأس أو لتخفيف الضغط عن الجمجمة، بل أيضًا طريقة لإخراج الأرواح الشريرة أو الشياطين من جسم الإنسان عبر تلك الفتحات.
هناك طريقة أخرى كانت تتضمن خنق المريض جزئيًا حتى يفقد وعيه، نتيجة لعدم وصول الدم إلى المخ، وهذا كان يسبب فقدان الوعي. لكن هذه الطريقة كانت شديدة الخطورة.

أما في بعض الحالات، فقد كان يتم اللجوء إلى التنويم المغناطيسي (Hypnosis)، حيث كان الطبيب يحاول جعل المريض يعتقد أنه لا يشعر بأي ألم، مما يؤدي إلى فقدان الإحساس بالألم أثناء العملية. ولكن هذه الطريقة كانت لا تناسب العمليات الجراحية الكبرى، حيث كانت تتطلب خبرة كبيرة من الطبيب وغالبًا ما كانت تفشل. وكان يعرف في البداية باسم “الميزرية”.
فرانس أنطون ميزمر (1734-1815) كان طبيبًا نمساويًا طور نظرية تفيد بأن جميع الأمراض يمكن علاجها من خلال التلاعب بـ “السائل الكوني” داخل الجسم. بدأ ميزمر عمله باستخدام المغناطيسات، لكنه تحوّل لاحقًا إلى ما أسماه “المغناطيسية الحيوانية”، وهي نوع من التنويم المغناطيسي الذي كان يُدخل المرضى في نوم عميق.
كما تم استخدام التخدير بالإبر الصينية . لكن هذه الإجراءات كانت تعتبر غير آمنة في بعض الحالات، ورغم أنها قد تكون ناجحة في بعض الحالات الصغيرة، إلا أنها لم تكن فعّالة أو آمنة بما يكفي بالنسبة للعمليات الجراحية الكبرى.
الآن، دعونا نغوص في رحلة مثيرة لاكتشاف دور العلماء والأطباء من مختلف البلدان والثقافات، وما حققوه من اكتشافات على مر العصور، وصولًا إلى التخدير الحديث كما نعرفه اليوم. ستكون هذه الرحلة مليئة بالتشويق والإثارة، ونحن ننتقل من عالم لآخر ومن حضارة لأخرى، لنتعرف على الإنجازات التي شكلت أساسًا لما نستخدمه في الطب الحديث.
الدور الرائد للعرب في مجال علم التخدير:
لقد عُني المسلمون بالطب عناية فائقة، ونبغ منهم علماء كبار، وجهابذة أفذاذ أنسوا من كان قبلهم، ومهدوا السبيل لمن جاء بعدهم، وعلى أساس نظرياتهم، وابتكاراتهم، ومنجزاتهم كانت النهضة الكبرى في القرن العشرين (الرابع عشر الهجري)؛ فهم وحدهم آباء هذا العلم كما كانوا آباء غيره من العلوم في العصر الحديث من أبرز هؤلاء العلماء: ابن سينا، والرازي، والزهراوي، الذين تركوا بصمات لا تُمحى في تاريخ الطب. ونذكر منهم اليوم :
أبو بَكر مُحَمَّد بن يَحْيَى بن زَكَرِيّا الرَّازِيّ- طبيبَ العَرَبِ الأوَّلَ
هو أبو بكرٍ محمدٌ بنُ زكريّا الرازي. وُلِدَ في مدينةِ الرَّي بِخُراسان، وهي الآنَ في إيرانَ بالقُرْبِ من طَهْران، ومنها أخَذَ لقبَهُ (الرازي).
وكانت ولادَتُه حوالَيْ عامَ 235هـــ ووفاتُه حوالي عام 320هــ (850-932م).
وكعادَةِ عُلماءِ العربِ في ذلك العصْرِ كان الرّازيُّ مَوْسُوعيَّ المعرفة. فقْد دَرَسَ الفلْسَفَةَ، والْفَلَكَ، والكمْياءَ، والموسيقى. وثبت ذلك من مُؤلفاتِهِ العديدةِ في تلكَ العلوم.
أما الطِّبُّ فقدْ درسَهُ وهو في العَقْدِ الرَّابع من عُمْرِه؛ وكانت دراسَتُه على يَدِ عليّ بنِ ربن الطَّبَري صاحبِ كتابِ «فِرْدوس الحكمة». وما لَبِثَ أن غَلَبَتْ على نشاطِهِ الفِكْري عُلُومُ الطبِّ فأصبحَ – بحقٍّ – طبيبَ العَرَبِ الأوَّلَ.
كان المسلمون يشيدون للطب مقامًا رفيعًا، ويعتبرون الجراحة قسمًا منفردًا ومحترمًا، ويبحثون عن وسائل جديدة لتسكين آلام المرضى أثناء إجراء العمليات الجراحية كان من أبرزها استخدام التخدير.
ولم تتوقف مجهودات الأطباء المسلمين في تخفيف آلام المرضى أثناء إجراء العمليات الجراحية بحدود استعمال المركبات المزيلة للألم والمهدئات، بل سعوا إلى اختراع ما عرف بـ”التخدير الإنشاقي” لممارسة العملية، وذلك باستعمال ما عُرف حينها بـ”الإسفنجة المرقدة” أو “المنومّة” عن طريق استخدام نباتات القنب الهندي، وفقاعات الأفيون، والخشخاش الشويكران، والبنج، وست الحسن، حيث كان يتم حل هذه النباتات مع بعضها ليتشكل منها محلول وسائل مخدر، (إذا كنت مهتمًا بالتعرف أكثر على هذه الأعشاب واستخداماتها في التخدير عبر العصور، يمكنك قراءة هذا المقال بعض النباتات المستخدمة في التخدير - IIIă ) حيث يؤتى بقطعة إسفنجية تغمس في المحلول الناتج المذكور، لتتشرب السائل المخدر المعد مسبقًا، ويوضع على وجه المريض ليَغُطَّ في النوم، ويبدأ معه الجرَّاح بإنجاز عمله كشكل من أشكال التخدير الإنشاقي”، الذي يعتبر القاعدة الأساسية التي بني عليها علم التخدير في العصر الحديث.

فعلى سبيل المثال نجد أبا بكر الرازي، له الفضل في اكتشاف حمض الكبريت، وأسماه حينها “زيت أتراح”، ونجد العالم والفيلسوف الكندي استقطر الغول أو الكحول. ونعلم اليوم أن مستحضر الأيتر الذي كان له الريادة في اكتشاف التخدير عمليًّا في منتصف القرن التاسع عشر، ينتج عن تفاعل الغول بحمض الكبريت. ومن هنا يكون المسلمون من أوائل من توصلوا لوضع أسس تركيب مادة الأيتر المخدرة قبل علماء الغرب بعصور.
أما طريقة إجرائه؛ فتغمس قطعة من الإسفنج في عصير مادة الحشيش ومستخرج زهرة البسلة ونبات السكران، ومن ثم تجفف قطعة الإسفنج في الشمس (وفي ترجمة أخرى، عصير الحشيش مع الأفيون والزؤان وست الحسن)، وعند استخدامها تطرى وتوضع في أنف المريض عند إجراء العملية، فيمتص المخاط السائل ولا يلبث أن يَغُطَّ في النوم ولا يشعر بآلام العملية الجراحية. واستعملوا التخدير في آلام المعدة لعملياتها وعمليات البواسير وعمليات المثانة والقسطرة، واستخراج الحصى من المثانة والحالب وعمليات الأمعاء”.
وفي مجال طب الأسنان، استخدم العرب مزيجًا من القنب والأفيون مع بعض المواد الأخرى مثل العسل. كان يتم وضع هذا المزيج على الأسنان لتسكين الألم. وإذا استمر الألم، كان يتم استخدام الزيت المغلي في الثقوب (أو الثقوب التي يتم إحداثها في الأسنان). كما كانوا يقومون بوضع الثلج على الأسنان، بالإضافة إلى علاج الأماكن المؤلمة في الأسنان باستخدام بعض الطرق مثل التسخين أو الضغط.

هوا توه
華佗
HuaTuo
هواتوه كان طبيبًا فذًا من العصور القديمة في الصين، وُلد في عام 140 قبل الميلاد وتوفي في عام 208 قبل الميلاد. يشمل إسهامه الكبير في الطب كونه أول من استخدم نوعًا من التخدير أثناء الجراحة. كانت وصفته عبارة عن مزيج من النبيذ مع مسحوق القنب المغلي (مافي سان: 麻沸散) máfèisàn.
بالإضافة إلى كونه من مؤسسي علم التخدير، كان هواتوا مشهورًا أيضًا بمهاراته في الإبر الصينية، والحرق بالإبرة (الموكسيبوشن)، والطب بالأعشاب، وكذلك تمارين داو يين الطبية. وقد طور تمرين “ووتشينكسي” (Wuqinxi) (المعروف أيضًا باسم “تمرين الحيوانات الخمسة”) بعد دراسة حركات حيوانات مثل النمر، والغزال، والدب، والقرد، والطائر. (五禽戏 - Wu Qin Xi)، والتمارين دي بتعتمد على دمج التنفس والحركة لتحسين الصحة وتقوية الجسم، ودي كانت بتساعد الناس على الوقاية من الأمراض.

هاناوكا سيشو” هوا توه اليابان”
(Hanaoka Seishū (華岡 青洲
سيشو هاناوكا (1760-1835) كان طبيبًا في قرية كييشو، التي تقع حاليًا في محافظة واكاياما، ويُعرف على نطاق واسع بأنه أول من أجرى عملية استئصال لسرطان الثدي لدى امرأة تحت التخدير العام باستخدام مخدره الفموي “مافوتسو-سان” في أكتوبر 1804. عندما كان سيشو في الثالثة والعشرين من عمره، ذهب إلى كيوتو لدراسة العلوم الطبية. في هذه الفترة، سمع عن طبيب صيني قديم يدعى هواتوا الذي استخدم التخدير أثناء الجراحة. درس سيشو أعمال الطبيب الصيني الأسطوري هواتوا (توفي 208م)، حيث ألهمه اكتشاف أول مخدر صيني لتطوير مزيجه الخاص من الأعشاب الصينية واليابانية، الذي كان يغليه في الماء والكحول ويعطيه لمرضاه الجراحيين. ابتكر سيشو أيضًا مخدره الخاص وبدأ في التحفيز القوي لإنقاذ الأشخاص الذين كان من غير الممكن علاجهم من أمراضهم في السابق. بمجرد أن قرر سيشو أن يكون “هواتوا اليابان”، درس بشكل مكثف لمدة ثلاث سنوات، وبعدها عاد إلى منزله. وبعد أن ورث مهنة والده، بدأ في معالجة مرضاه بينما كان أيضًا يبحث عن طرق علاج جديدة ويجمع الأعشاب الطبية، وكرس أيامه للبحث في مجال التخدير.

لا توجد سجلات مفصلة حول كيفية بحث سيشو في اكتشافاته المتعلقة بالتخدير. ومع ذلك، يُعتقد أنه بعد أن تأكد من أن الأدوية كانت فعّالة وآمنة للاستخدام على الحيوانات، بدأ في إجراء التجارب السريرية على البشر. يُقال إنه طلب مساعدة والدته “أوتسوجي” وزوجته “كاي” في تجربته السريرية. شاركت زوجته في تجاربه كمتطوعة، لكنها فقدت بصرها بسبب الآثار الجانبية السلبية. بعد سنوات من البحث والتجارب، نجح أخيرًا في تطوير صيغة أطلق عليها اسم “تسوسينسان” (أو “مافوتسو-سان”). مثل وصفة هواتوا، كانت هذه المركب يتكون من مستخلصات من عدة نباتات مختلفة.
عقب نجاحه في تطوير هذا المخدر، لم يتردد سيشو في إجراء العديد من العمليات الجراحية الصعبة كبتر الأطراف واستئصال الأورام. وفي سابقة فريدة من نوعها، أجرى هذا الطبيب الياباني المخضرم عمليات لعلاج سرطان الثدي. وعلى حسب ما دوّنه التاريخ كأول عملية جراحية موثقة باستخدام التخدير العام، أجرى سيشو في حدود منتصف تشرين الأول/أكتوبر 1804 عملية جراحية لعلاج امرأة تبلغ من العمر 60 عاماً مصابة بسرطان الثدي.

وخلال تلك الفترة قدم سيشو كمية من شراب Tsusensan لهذه المرأة، وحال فقدانها للوعي أقدم على استئصال جزء من ثديها الأيسر الذي كان الورم السرطاني بارزاً عليه. وقد حققت هذه العملية الجراحية نجاحاً محدوداً، حيث تماثلت المرأة للشفاء خلال الأشهر الأولى التي تلت العملية قبل أن تفارق الحياة خلال السنة التالية.
نحن نعلم من هو “أب الجراحة” فعلاً، وهو أبو القاسم الزهراوي، الطبيب المسلم الرائد في القرن العاشر، الذي قدم
إسهامات كبيرة في مجال الطب. ولكن هل يوجد “أب جراحة” آخر؟
سوشروتا - أبو الجِرَاحَة الهندية
Sushruta – The Father Of Medical Surgery
هناك جدل مستمر حول من كان أول من استخدم التخدير الجراحي. أحد المرشحين المحتملين غير الصينيين هو سوشروتا، أب الجراحة الهندية. التقديرات تشير إلى أن سوشروتا عاش بين 600-1000 قبل الميلاد. وهو معروف بشكل خاص بكتابه “سوشروتا سامهيتا”، الذي يعد من الأسس الرئيسية للطب الهندي وربما أقدم كتاب جراحي في تاريخ العالم. وسط صفحات من الوصف التشريحي التفصيلي والتقنيات الجراحية، يوصي سوشروتا أيضًا باستخدام بخار القنب مع النبيذ لتخدير المرضى. قد تجعل توقيت هذه الوصف منه أول سجل مكتوب لعلم التخدير. سواء كان ذلك أم لا، ما هو واضح هو أن سوشروتا كان يمثل تبني الهند المبكر للقنب كمخدر. كانت النبتة تعتبر مقدسة في بعض الثقافات الهندوسية في تلك الحقبة وظلت مكونًا أساسيًا في الطب الهندي لآلاف السنين. وقد تم ملاحظة استخدامها كمخدر في العديد من الكتب الطبية المهمة التي ظهرت بعد عمل سوشروتا المحوري.
وصف سوشروتا الجراحة تحت ثمانية عناوين: تشيديا (الاستئصال)، ليكيا (الندب)، فيديا (الثقب)، إيسيا (الاستكشاف)، أهريا (الاستخراج)، فسرايا (الإخلاء)، وسيفيا (الخياطة).وعالج العديد من حالات تجميل الأنف (ناسا ساندهان)، وتجميل الفصيصات (أوشثا ساندهان)، وتجميل الأذن (كارنا ساندهان). وحتى اليوم، تُعرف عملية تجميل الأنف التي وصفها شوشروتا عام ٦٠٠ قبل الميلاد باسم “الجُنيّة الهندية”، ويُعرف بأنه مبتكر جراحة التجميل.
الإنكا Andean Anesthetics
إمبراطورية قديمة بنتها شعوب من الهنود الحمر في منطقة أمريكا الجنوبية، كانت أكبر الإمبراطوريات في أمريكا الجنوبية في العصر قبل الكولومبي . لى الرغم من أن الإنكا لم يكن لديهم نظام كتابة أبجدي، تشير تقارير من الغزاة الإسبان إلى أن الإمبراطورية قد استخدمت النباتات المحلية لإحداث التخدير. كان الجراحون يمضغون أوراق الكوكا، التي كانت شائعة في جبال الأنديز، ثم يقطرون لعابهم في الجروح أو الشقوق على المرضى، مما كان يوفر على الأرجح بعض درجات التخدير الموضعي. يُعتقد أيضًا أن الإنكا كانوا يحضرون مشروبًا كحوليًا يعتمد على الذرة يُسمى تشيتشي، وكانوا يستخدمونه لجعل المرضى يفقدون وعيهم أثناء العمليات الجراحية البسيطة. هناك عدة نباتات أخرى تنمو في أرض الإنكا وتملك تأثيرات مركزية، وربما تم استغلالها لخصائصها التخديرية؛ وتشمل هذه النباتات الداتورا، الإسبينغو، التبغ، وصبار سان بيدرو.
’the fastest knife’ أسرع سكين
لا تزال الإجراءات الجراحية تثير الخوف في نفوس الناس حتى اليوم، فماذا كان شعورهم في تلك الأيام، قبل اختراع التخدير، عندما كانت الجراحة تبدو وكأنها شيء من أفلام الرعب؟ اليوم، تكمن أعظم قيمة للجراح في الدقة، لكن هذا لم يكن الحال دائمًا. في تلك الفترة، كانت السرعة أكثر أهمية بكثير – كلما كان الجراح أسرع، كلما شعر المريض بألم أقل وكان احتمال نزيفه حتى الموت أقل.
كان أسرع طبيب في لندن قادرًا على إجراء هذا الإجراء الطويل والمعقد في أقل من دقيقتين ونصف. كان الدكتور روبرت ليستون (1794 - 1847)، الجراح الاسكتلندي، مشهورًا بسرعته؛ وهي مهارة أكسبته لقب “أسرع سكين”. كان يحظى بإعجاب زملائه أيضًا بسبب معدل الوفيات الرائع لديه – حيث كان يموت واحد من كل عشرة من مرضاه فقط. قد يبدو هذا كنسبة مروعة اليوم، لكن في ذلك الوقت كان يُعتبر معجزة. لم يكن ليستون يخفي موهبته – بل كان كثيرًا ما يُجري العمليات الجراحية علنًا، أمام الحشود. وقبل كل عملية، كان يطلب من المشاهدين أن يعدّوا بصوت عالٍ الدقائق التي يحتاجها لإجراء العملية.
لكن لم يكن ليستون معروفًا بسرعته فقط. فقد كان أول من استخدم الإيثر في الجراحة في عام 1846 (وكان أطباء الأسنان الأمريكيون قد بدأوا باستخدام الإيثر كمخدر قبله). كانت العملية ناجحة وأصبحت هي النقطة المفصلية التي نعتبرها بداية التخدير في أوروبا. وعلى الرغم من أن الإيثر – الذي كان يُعتقد أنه دواء معجزي في ذلك الوقت – لم يكن بالحل المثالي، إلا أنه كان خطوة مهمة نحو اكتشاف التخدير الذي نعرفه اليوم.
المُخدِرات الاستنشاقية :
بحلول نهاية القرن الثامن عشر، بدأ العديد من العلماء في التفكير في التطبيقات الطبية للكيمياء، مما أدى إلى تطور كبير في مجال التخدير، وكان هناك ثلاثة مواد رئيسية في هذا التقدم: أكسيد النيتروز، الإيثر، والكلوروفورم
يقولون إن الضحك يخفف الألم، ماذا لو كان هذا حقيقيًا؟
غاز الضحك وهمفري ديفي، اكتشاف غير متوقع !
في عام 1799، اكتشف الجراح البريطاني همفري ديفي أن أكسيد النيتروز nitrous oxide يعمل كمخدر موضعي فعال. أطلق عليه اسم “غاز الضحك” وكتب عن إمكانياته في الجراحة. ومع ذلك، لم يُستخدم على نطاق واسع إلا بعد وفاة ديفي.
إذا كان الهواء قادرًا على نقل الأمراض، فربما يستطيع الغاز أيضًا علاجها. هكذا سارت فكرة توماس بيدوز، الذي أسس معهدًا للغازات الهوائية عام ١٧٩٩ في مدينة بريستول. كانت الفكرة هي إيجاد غازات محددة قادرة على علاج أمراض معينة. عيّن بيدوز كيميائيًا شابًا يُدعى همفري ديفي لإجراء أبحاث في مجال العلاج بالغاز. جرّب ديفي العديد من الغازات، لكن لم يُجدِ أيٌّ منها نفعًا يُذكر - بل على العكس تمامًا: عندما جرّب غازًا جديدًا يُسمى أول أكسيد الكربون على نفسه، كاد أن يموت.
لم يثنِ حماسه لاكتشافات عظيمة ومساعدة البشرية، فاستنشق ديفي غازًا آخر مُكتشفًا حديثًا، وهو أكسيد النيتروز. كان طعم الغاز حلوًا بعض الشيء، وكان له تأثير غريب عليه. بدأ يرقص في مختبره “كالمجنون”، كما ذكر لاحقًا. ضحك وقهقه. كان الأمر غير لائق على الإطلاق، نظرًا لأنه كان يعمل في معهد طبي، لكنه لم يستطع التوقف.زال التأثير بعد ساعة. لكن يا له من أمرٍ مُعجز، يا له من أمرٍ غريب، كما تأمّل. حاول ذلك مُجددًا، أحيانًا بنفس التأثيرات السخيفة، وأحيانًا أخرى كان يُفقِد عقله بطريقةٍ أكثر سُموًا. بعد جلسةٍ واحدة، كتب: “لا شيء موجود سوى الأفكار”. وصف ديفي استنشاق أكسيد النيتروز بتجربةٍ رائعة، تجربةٍ تتجاوز الوصف، مع أنه حاول تصوير الشعور في شعره، واصفًا أطرافه بأنها “مُغطاةٌ بعظمةٍ وليدة”. فكر ديفي في تجربة الغاز على مرضى المعهد لتقييم ما إذا كان له أي قيمة علاجية في علاج أمراض مثل السل. لم يكن كذلك. لكنه أضحكهم. وجده هو نفسه ممتعًا للغاية لدرجة أنه لم يستطع مقاومة الاستمرار في تجربة أكسيد النيتروز ليلاً. وجد ديفي أن استنشاق الغاز يقوي حواسه - شعر أنه يستطيع الرؤية والسمع بشكل أكثر وضوحًا. دعا أصدقاء وكتابًا وشعراء، مثل صموئيل تايلور كولريدج، إلى مختبره لاستنشاق الغاز. استنشقوا الغاز وانفجروا في نوبات من الضحك أيضًا، يغنون ويرقصون. أعلن الشاعر روبرت ساوثي بفخر أن ديفي قد اخترع نوعًا جديدًا من المتعة، والذي أعطى “إحساسًا ممتعًا في كل عضو - في كل جزء من الجسم - حتى الأسنان”.
خلال كل هذا الحفل والرقص، كان همفري ديفي يتمتع بالذكاء الكافي لاستنتاج أمر علمي مهم حول غاز الضحك: فهو لم يكن مضحكًا ومشتتًا فحسب، بل كان قادرًا على إزالة الألم..
في 10 ديسمبر 1844، حضر هوراس ويلز، طبيب الأسنان في هارتفورد، عرضًا قدمه جاردنر كولتون، الذي كان يُعرف بعروض “غاز الضحك” (أكسيد النيتروز). خلال العرض، لاحظ ويلز أن أحد المتطوعين الذين استنشقوا الغاز اصطدم بساقه في المقعد ولم يشعر بأي ألم، حتى بعد زوال تأثير الغاز. فكر ويلز فورًا في الفائدة التي يمكن أن يوفرها هذا الظاهرة في طب الأسنان، حيث كانت عمليات خلع الأسنان مؤلمة جدًا في ذلك الوقت. في اليوم التالي، طلب ويلز من كولتون أن يطبق الغاز عليه أثناء عملية خلع أحد أسنانه. بعد انتهاء تأثير الغاز، أعلن ويلز أنه لم يشعر بأي ألم سوى “وخزة إبرة” أثناء العملية، مما جعل تجربته أول تطبيق ناجح للتخدير الطبي .

بدأ ويلز باستخدام أكسيد النيتروز في ممارسته الطبية بنجاح كبير، لكن خلال عرض مهم في مستشفى ماساتشوستس في بوسطن، فشل في إجراء عملية خلع أسنان باستخدام الغاز بعد أن صرخ المريض ظاهريًا من الألم. ورغم أن المريض اعترف لاحقًا أنه لم يشعر بأي ألم، فقد تعرض ويلز للسخرية من الجمهور، مما دفعه إلى الانهيار مهنيًا وعاطفيًا. تدهورت حياة ويلز بعد ذلك، حتى انتهت بشكل مأساوي عندما انتحر في السجن بعد أن أصبح مدمنًا على الأثير والكلوروفورم. ومع ذلك، تم تكريمه لاحقًا كالمكتشف للتخدير الطبي الحديث من قبل الجمعية الطبية الأمريكية والجمعية الأمريكية لطب الأسنان، وتوجد عدة تكريمات له في هارتفورد، بما في ذلك تمثال في حديقة بوشنيل.
ويليام مورتون والإيثر Ether
بعد عامين من عرضه، استخدم طبيب أسنان آخر، ويليام مورتون، مادة مختلفة لتخدير مريض في المستشفى نفسه. كان الغاز عبارة عن بخار سائل غامض يُسمى الأثير.
في عام 1846، اكتشف ويليام مورْتون التخدير باستخدام الإيثر، وهو اكتشاف أصبح مثار جدل طويل. كان مورْتون قد مارس طب الأسنان مع الطبيب ويلز، حيث شاهد تأثير أكسيد النيتروز في تخفيف الألم. دفعه فضوله لاكتشاف ما إذا كانت هناك غازات أخرى يمكن أن تكون أكثر فعالية، فتعرف على الإيثر، الذي كان قد استخدمه الأطباء سابقًا لعلاج مشاكل التنفس. في البداية، تعلم مورْتون عن الإيثر من الدكتور تشارلز جاكسون، الذي كان يدرس الكيمياء في جامعة هارفارد. رغم أن الإيثر كان معروفًا منذ القرن السادس عشر، إلا أن اهتمامًا كبيرًا به بدأ في أوائل القرن التاسع عشر بعد أن وصفه جون دالتون في عام 1819 وارتبطت فوائده بتأثيرات مشابهة لتلك التي يحدثها أكسيد النيتروز. كان مايكل فاراداي قد أشار أيضًا إلى آثار الإيثر في مجلة علمية.
بدأ مورْتون في تجارب على الحيوانات ثم على نفسه، حتى تمكن من تطبيقه بنجاح على مريض أثناء عملية خلع سن. كانت النتيجة غير متوقعة، حيث فقد المريض وعيه ولم يشعر بالألم أثناء العملية، فكان ذلك بداية لاكتشاف التخدير العام. في أكتوبر من نفس العام، شاهد الطبيب الشهير هنري بيغلو نجاحًا كبيرًا في العمليات التي استخدم فيها الإيثر، مما دفعه لإقناع جراح آخر، الدكتور وارن، بتجربته. وبذلك تم تحديد لحظة اكتشاف التخدير الإيثر.

رغم ذلك، وقع نزاع مرير بين مورْتون وجاكسون حول أحقية اكتشاف التخدير. إلا أن هناك أدلة تشير إلى أن الطبيب كروفورد لونغ، الذي كان قد استخدم الإيثر لتخدير مريض في عام 1842، هو من اكتشف التخدير أولًا، لكنه لم يعلن عن اكتشافه حتى 1849. ورغم أن لونغ قد يكون أول من استخدم الإيثر، فإن مورْتون هو الذي أتاح للعالم معرفة فائدته بشكل واسع، ولذلك يعتبر “مخترع ومُعلن التخدير بالتنفس”. وفي النهاية، عانى جاكسون من انهيار نفسي بسبب النزاع على الفضل، وأمضى سنواته الأخيرة في مصح عقلي.
بما أن جهاز الاستنشاق الأصلي لويليام مورتون معروض في مستشفى ماساتشوستس العام، فإن العديد من المتاحف الطبية تعرض الآن نسخًا مستنسخة بناءً عليه.
يتكون جهاز الاستنشاق لمورتون من جسم زجاجي كروي مع صمامات على الجانبين. تم وضع إسفنجة بحرية مشبعة بالإيثر داخل الجهاز، وكان المريض يستنشق من خلال الفم على الجهة اليسرى. وعندما يزفر المريض، كان الهواء يتم توجيهه إلى الخارج بواسطة صمام في الفم.
ولو لاحظتم، فإن شكل الإسفنجة يشبه الإسفنجة المخدرة التي ذكرناها في دور المسلمين الذين ابتكروا هذه التقنية في العصور الإسلامية.
جيمس سيمبسون وكلوروفورم Chloroform
كان جون سيمبسون، طبيب التوليد الاسكتلندي المقيم في إدنبرة، أحد هؤلاء المجربين. كان يجتمع هو ومساعداه كل مساء في غرفة معيشته لاستنشاق مواد كيميائية لتقييم تأثيرها المخدر. كان هذا أمرًا محفوفًا بالمخاطر، لأن سمية هذه المواد الكيميائية لم تكن معروفة تمامًا. في مساءٍ مظلم من شهر نوفمبر عام ١٨٤٧، اجتمعوا لاستنشاق سائلٍ عطريٍّ متطاير يُسمى الكلوروفورم. في البداية، وجدوه لطيفًا، ودخلوا في حالة مزاجية جيدة، لكنهم جميعًا انهاروا.
عندما استعادا وعيهما في صباح اليوم التالي، شعر سيمبسون بالبهجة: هل وجد مخدرًا جديدًا؟ لم يُدرك أنه كان بإمكانه قتل نفسه، فجربه بعد ذلك على ابنة أخته، التي قالت إنها شعرت بالسعادة، وبدأت تغني “أنا ملاك” ثم سقطت على الأرض فاقدة للوعي. نجت، ونظرًا لسلامتها، واصل سيمبسون استخدام الكلوروفورم في ممارسته الطبية، حيث نجح في إعطائه للأمهات في المخاض لتخفيف آلامهن. كانت معجزة أنه لم يقتل بعضهن، لأن الخطأ في الجرعة، كما هو الحال مع الأثير، قد يكون قاتلًا استشاط أطباء آخرون غضبًا، لكن ليس بسبب مسائل السلامة. جادلت المؤسسة الطبية، التي يغلب عليها الرجال، بأن تخفيف آلام الولادة خطأ أخلاقي، وأن الله قدّر معاناة النساء أثناء الولادة. أصبحت القضايا الأخلاقية المتعلقة بتسكين الألم محل جدل عام ساخن حتى أُعطيت الملكة فيكتوريا الكلوروفورم عام ١٨٥٣ أثناء ولادة الأمير ليوبولد، وبعد ذلك حظيت بموافقة ملكية. كتبت الملكة لاحقًا إلى صديقة استنشقت الكلوروفورم أيضًا لتسكين الألم: “سعيدة جدًا بسماع أن ميني بخير، وأنها حظيت بنعمة الكلوروفورم التي لا تُقدر بثمن، والتي لا يمكن لأحد أن يكون ممتنًا لها بما فيه الكفاية”.
ابن سِينا والتنبيب الرغامي Endotracheal Intubation
أبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سِينَا اَلْبَلْخِي ثُمَّ اَلْبُخَارِي اَلمعروف بِابْنِ سِينَا، عالم وطبيب مسلم من أصول فارسية ، اشتهر بالطب والفلسفة واشتغل بهما .
التنبيب الرغامي حديثًا هو عبارة عن إدخال أنبوب، من الأنف أو الفم إلى الرغامى عبر الحنجرة، بهدف التنفس وحماية مجرى التنفس من دخول المفرزات المعدية الحامضية (المؤذية) أو القيء المعدي أو السكري، كما يعزز الطريقة التنفسية بدلاً من الطريقة الهضمية، وكذلك أثناء العمليات الجراحية. هذا الإجراء يحتاج إلى خبرة كبيرة، وهذه الأنابيب هي عبارة عن أنابيب مصنوعة من مواد مطاطية أو بلاستيكية مثل مادة البولي إيثيلين وتُستخدم لمرة واحدة، ولها قياسات متعددة (تتناسب مع مدخلها في الأنف والفم).
من المعروف أن أول من ابتكر فكرة التنبيب الرغامي هو إيوان ماك إيوان، وذلك في عام 1880م، أي بعد عامين فقط من محاولة التنبيب الأنفي العمي (أي بدون منظار) باستخدام الأصابع كدليل في غلاسكو. ثم تطور هذا الإجراء ليصبح تحت التخدير العام باستخدام المخدرات الاستنشاقية عام 1901م. وفي عام 1907م، تم تعريف التنبيب الرغامي في فرنسا، وأصبح معروفًا في جميع دول العالم بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918م).
لكن ابن سينا يذكر في كتابه القانون في الطب الجزء الثالث العبارة التالية “أو ربما يُدخل إلى الحلق قصبة معمولة من الذهب أو الفضة، أو نحوهما، تعين على التنفس.” وهذا ربما كان الفكرة الأولى أو التطبيق الأول لمبدأ التنبيب الرغامي، مما يجعله ابتكارًا حضاريًا كبيرًا، سابقًا لعصره بأكثر من 850 سنة.
التخدير الحديث
لقد اختلفت أنواع المخدرات على مر العصور وتنوعت أشكالها من مواد مخدرة استنشاقية ومواد وريدية، بالإضافة إلى بعض أنواع المهدئات والمرخيات العضلية. ومع تقدم العلم والتكنولوجيا، تم تطوير وسائل تخدير أكثر أمانًا وفعالية، مما مهد الطريق لجراحات كانت تُعتبر في السابق مستحيلة أو محفوفة بالمخاطر.
بعض الأمثلة على أنواع التخدير الحديثة تشمل:
التخدير العام: يستخدم في العمليات الجراحية الكبرى حيث يُفقد المريض وعيه بالكامل. من الأمثلة على أدوية التخدير العام: الإيثوفلوران والسيوفلوران، والتي تُستخدم لتخدير المريض بشكل عميق.
التخدير الموضعي: يُستخدم لتخدير منطقة محددة من الجسم دون التأثير على الوعي. الأمثلة تشمل الليدوكائين والبرافوكائين، اللذين يستخدمان في الإجراءات البسيطة مثل خلع الأسنان أو العمليات الجلدية.
التخدير النصفي (الحسي): حيث يتم تخدير جزء من الجسم (مثل الجزء السفلي من الجسم في حالات الولادة القيصرية أو العمليات في الأطراف السفلى) باستخدام مواد مثل البوبيفاكائين أو الريدوكين.
التخدير الوريدي: يشمل أدوية تُحقن في الوريد، مثل البروبوفول والكيتيامين، التي تُستخدم للتحكم في الوعي بشكل سريع وآمن خلال الإجراءات الجراحية.
التخدير المستمر: مثل التخدير الإبيديورالي، حيث يُستخدم لتخدير منطقة كبيرة من الجسم لفترات طويلة، مثل أثناء الولادة أو العمليات الجراحية المعقدة. يتم إعطاء التخدير عن طريق قسطرة تُوضع في القناة الشوكية.
تستمر الأبحاث في هذا المجال لتطوير أدوية وأساليب جديدة تكون أكثر أمانًا وفعالية، مما يساعد في تحسين نتائج العمليات الجراحية وتقليل الألم والمعاناة.
والآن، بعد أن مررنا بهذه البدايات التاريخية والتجارب الكثيرة، نقف لحظة تأمل مع أنفسنا ونستشعر نعمة التخدير العظيمة. كم من شخص عانى من الألم حتى الممات، وكم من شخص عاش ألم الموت أثناء العمليات الجراحية، وكم من شخص فقد أعضاءه بسبب تجربة محلول أو استنشاق غازات لم تكن مأمونة في ذلك الوقت. ومن جهة أخرى، لا يمكن أن ننسى الأطباء الذين كرسوا وقتهم لدراسة وتجربة العديد من النباتات والغازات وغيرها من العوامل، حتى توصلوا إلى محاليل التخدير التي بين أيدينا اليوم، مما يتيح لنا أن نُجري عملياتنا بأمان ودون ألم.ويعود الفضل في هذا المجال إلى العديد من العلماء العرب في مجال التخدير والإنعاش مثل : ابن سينا وأبو بكر الرازي وابن النفيس والزهراوي وابن البيطار وغيرهم . قفلد تركوا بصمة كبيرة في تطور الجراحة وأساليب العمليات الجراحية. لم يقتصر تأثيرهم على حضارتهم فقط، بل امتد إلى العلوم الغربية عندما ترجم الأوروبيون أعمالهم ونقلوها إلى الغرب، ليتم تطويرها والاستفادة منها في مراحل لاحقة.
وعلى الرغم من التحديات التي واجهوها، فإن العرب كان لهم الدور الأكبر في تمهيد الطريق للعديد من الاكتشافات الطبية التي أثرت في تاريخ التخدير، وكانت الأساس الذي بناء عليه بدأ الأوروبيون في تطوير تقنيات التخدير الحديثة، مثل استخدام أكسيد النيتروز والإيثر في القرن التاسع عشر، ما أحدث ثورة حقيقية في عالم الطب والجراحة.
فلنحمد الله على نعمة العلم، ونعمة الصحة والعافية. أشكر لكم وقتكم في قراءة هذا المقال، وأعتذر إن كنت قد أطلت عليكم. لكني آمل أن يكون قد نال إعجابكم. شاركوني تعليقاتكم، وما هي المعلومة أو التجربة التي أدهشتكم في هذا الموضوع؟
إذا كنت مهتمًا بهذا الموضوع، قد تجد هذا المقال مفيدًا أيضًا :
بعض النباتات المستخدمة في التخدير - IIIă
قد استطاع الإنسان عبر مراحل التاريخ، من خلال تجاربه المستمرة، الاستفادة من بعض النباتات في علاج العديد من الأمراض. فقد لاحظ البعض خصائص تسكينية وتخديرية لبعض هذه النباتات، مما دفعهم لتحديد بعض الأنواع التي تُستخدم كجزء من قائمة العقاقير التي يمكن استخدامها في بعض الجراحات الصغيرة أو لتسكين الآلام. ومن بين هذه النباتات، تأتي على رأس القائم…
https://hekint.org/2018/12/24/the-brief-and-strange-history-of-mesmerism-and-surgery/
https://www.britannica.com/science/history-of-medicine
https://www.sciencemuseum.org.uk/objects-and-stories/medicine/art-anaesthesia
https://www.baytalfann.com/post/the-father-of-surgery-abu-al-qasim-al-zahrawi-i
https://semmelweis.hu/hok/en/2019/11/07/dr-robert-liston-the-fastest-knife-in-the-west-end/
https://www.rcoa.ac.uk/about-us/heritage/history-anaesthesia
https://geoffreykayemuseum.org.au/history-of-anaesthesia/early-anaesthesia-us-and-uk/
- كتاب التخدير والإنعاش عبر التاريخ - نزار مصطفى كحلة




































مقال جميل ورحلة جميلة في اكتشاف بدايات التخدير
اليوم مجال التخدير يشهد تطور عظيم حيث تتم الكثير من العمليات الجراحية الكبرى وتحت تخدير موضعي !
وايضاً احدث ثورة انسانية في التعامل مع الالم لمرضى العضال اصحاب الالم المزمن
لتكون ايامهم الاخيرة هينة ولو قليلاً عليهم
مقال أكثر من رائع ، المعلومات المذكورة فيه تبين أهمية السعي العلمي والاعتماد على التجربة والملاحظة ك منهج لتحقيق الأهداف العلمية والطبية التي انجزوها سابقا وستبقى للأبد، شكرا جزيلا على وضع المصادر وشكرا أيضا لأحترام ذائقة القراء على هذه المنصة، اسأل الله أن يزيدك من واسع فضله وأن يسخرك للخير، موضوع مثير للأعجاب إختيار موفق .